ذهب الذين نحبهم
وداعا درويش
مقاربة لخرج الطريق في وداع معين بسيسو
بقلم د.محمد جودات
أستاذ بجامعة الحسن الثاني
المغرب
سيقول شعرك للذين أتوا من الزمن الغريبْ
لم تفهموا عبق السؤالْ
كي تنصتوا
للمشي في أفُق النشيدِ على الشهيدْ
ويقول نصك للذين قضوا
مع الكلمات كل العمر لن تترددي
فنسيج عمر الواقفين على المعاني تفرقوا
ذهب الذين نحبهم
ذهبوا
ذهبوا
ذهبوا…
من غريب التناصات النفسية أنني وأنا بصدد كتابة هذه المقاربة النصية عن الشاعر الكبير محمود درويش/،ـ ( وعن شعريته التي يصعب القبض عليها لميكانيزماتها النصية المحكمة في تعالقاتها النصية المتعددة) ـ اتصل بي صديقي الناقد الدكتور هيثم سرحان من الأردن ؛وهو يعرف ما يجمعنا من تجليات نصية وصداقة مع الرجل إبداعية وقراءة وبياتا حتى قرأنا معا نصوصه التي علقت في صدورنا بشكل ثنائي وتلقائي في المآثر العتيقة بالأردن قبل أيام؛ ليخبرني نبأ وفاة محمود درويش.
1 - الشاعر والرحيل المكان
موت شاعر بحجم محمود درويش خسارة كبيرة للشعر العربي، الذي يشكل فيه المؤسسون للحداثة الشعرية استثناءات قليلة تتطلب شروط إمكان إنتاجها(استعارة فعلية من مشيل فوكو)؛ مئات السنين كي تتكرر إذا توفرت.
فشعرية محمود درويش أسست ميكانيزمات نصية تسيج عالمها الإبداعي بتجليات نصية تناصية مفتوحة على الإبداعية العربية والعالمية: القديمة والحديثة بجغرافياتها المتشعبة والواسعة، مما يجعل القبض عليها ووهمَ تفهمها وتسييجه سيدا في معظم القراءات التي تتقدم نحو قارئها لمقاربة هذه الشعرية العربية الحداثية الفريدة. لصفة الحداثة أولا؛ولصفة العربي التي تحمل من صفات المنسوب إليه التوحد والتمزق في آن، فهو شعر التراكمات الأخرى التي تضع الشعر العربي ضمن مسارات تحول مفتوحة تُصَيرُ صفة الشعر العربي نفسها أزمة مادامت تفتح زوايا نظر مختلفة إليه كجنس وضمن أجناس يتفاعل معها، ولإقامته داخل مفهوم شاسع للثقافة العربية نفسها، ولانخراطه في جنسيات شعرية متعددة تشبه التمزق الذي يتعقب العربي (خصوصا إذا كان فلسطينيا) دون أن ينال منه، وهي بحق صفة لهوية تجميعية وانتقائية في آن واحد؛ يكفي أن نسميها متعددة.
وتطرح ضمن صفة العربي أيضا صعوبة أخرى، تتمثل في علاقة هذا الشعر بتراثه، حيث الصعوبة الأساسية التي نواجهها في الشعر العربي الجديد هو أن علينا أن نحدده بالانسجام مع تراثنا وبالاختلاف عنه في آن[i]. هذه بعض التجليات المآزق التي تجعل القبض على شعرية درويش بعيدة المنال، من هذا المنطلق تقترح هذه المقاربة دخول النصية الدرويشية من مدخل علاقاتها التناصية المفتوحة على المساحات الثقافية الشاسعة؛ بدءا من الحضور الديكتاتوري للإيقاعية الشعرية العربية القديمة التي يعتقد الكثيرون أن نص درويش تخلى عنها، ومرورا بالتحولات النصية التي تؤسس فرادة الشعرية عنده، وانتهاء بالنصية التي تستطيع الإنصات لليومي والعابر وتشعرنه. هذا هو عالم درويش الذي خلفه، وهو ديوان شعري ضخم يستحق أن يسمى مدرسة شعرية بامتياز، على غرار شعريات عربية حداثية ضخمة (مثل أدونيس) يصعب فهمها من طرف المقاربات النقدية التقليدية. لأن هذه النصوص تتجاوز القائم والمعروف والمتداول، بل تتجاوز نفسها أيضا، وتمتص المتعدد والمختلف، من هنا نفهم نصا لريكله يورده موريس بلانشو في الفضاء الأدبي هذه ترجمته:
(الأبيات ليست إحساسات بل هي تجارب، فلكتابة بيت واحد تلزم رؤية مدن كثيرة وأشخاص كثيرين وأشياء كثيرة). والرجل كانت إقامته في الرحيل عبر النصوص وعبر الحياة وعبر الترحيل أيضا.
يقول الشاعر:
1 - كم مرة ستموت، كم لغة ستخطئ كي تصل
2 - خرج الطريق على الطريق على الطريق تشعبت خطواتنا
3 - مات البطل
4 - عاش الجبل
5 - كم مرة ستعد من أجلي وأجلك خيمتين على الشواطئ؟
6 - كم مرة ستجيء مملكة البنفسج دون أن تجد البنفسج؟
7 – لاتبك من عيني، واحملني لأحمل عدة الحلم المضرج
8 – بدم يسمينا ويأخذنا إلى مالست أدري
9 – لا، لم نجد نهرا لنجري غير هذا النهر، فلنذهب معه
10 – مدن تجيء وتختفي فينا. ومن يدنا إلى دمنا فضاء لا يسيج
11 – إلا بعوسجة الطفولة. كم رأينا… في الرياح الأربعة
12 – مدن تجيء ونختفي فيها. ونخرج كالرهائن حين يفضحنا الأمل
13 – مات البطل
14 – عاش الجبل
الموت مرات عديدة واللغة وسيلة متعددة للوصول إلى غير نقطة الوصول (من موت إلى موت ـ ومن لغة إلى أخرى ـ ومن يدنا إلى دمنا ـ والبقية آتية…) ؛ لأن الإقامة سيدة في احتراف الرحيل: ولأن الرحيل هوية أبدية لهذا العربي الجريح . لذلك إنه يسكن بيت القصيدة عوضا عن البيت التقليدي ببنائه المعروف: ويتشبث في الوقت ذاته بالبيت العربي الأصلي (الخيمة) : ) كم مرة ستعد من أجلي وأجلك خيمتين(.
إنها لعبة الاتصال والانفصال التي يمارسها النص الشعري : بتناصاته الإيقاعية أولا، بالحضور القوي للتفعيلة التي تربط النص وغيره طبعا بالنص الأب بتفعيل آلية العروض (متفاعل) التي تؤطر كلية النص بقوة دون أن تكون مجرد دال حاضر غائب.
15 -نمشي لكي / نمشي، لما/ذا لم تقل/ لي كل شي/ء عن عنا/قيد العنب/
16 - بلد أتى،/ بلد ذهب/
17 - بلد سيأ/تي ثم يذ/هب، أي أغ/نية ستر/فع هيكلا/ ينهار في/نا؟
18 - قف واحم قل/بك من يدي/ك ومن فرا/شاتي، ومن/ صوت السفينة
19 - وهي تق/لعنا من ال/ميناء، كم/ بحرا سنم/خر، كم سفينه.
20 - ترمي على ال/محتل زن/بقها ورا/ءك؟ كم سما/ء سوف نس/قف في القصا/ئد؟
21 - ما ليس لك /هو ليس لك
22 - نمشي لنم/شي، ثم نم/شي
* كم مرة/ سنقول ما /قلنا، سمر/قند الودا/ع إلى الأبد
ماض مضى /من أرضه،/ وقضى علي/ك قضي علي/ي الزعفران
للروح تا/ريخ. ولا/كن الزما/ن له مكا/ن، والحني/ن له بلد.
قلنا لكل/ل جميلة /هيا أحب/بينا، ولا/كن لا تحب/بينا لأن/نا ذاهبان
ما اسم التي/ أحببتها /في الهند، ما اس/م عشيقتي/ في قرطبة؟
ما اسم العيو/ن الأسيوي/ية؟ ما اسم أر/ملتي الأخي/رة في دمشق.
فالرحيل إقامة في الذاكرة والذكرى حين يضيق المكان مادام ليس هو التربة التي (ربيتها باليدين)، إنه إبدال موضوعي بالإقامة في ذكرى القصيدة العربية القديمة باستحضار عروضها ، وإقامة في الرحيل لتكرار الوداع اللعين الذي يصاحبنا لأننا نقيم في الرحيل حتى صار البلد هو الذي يأتي إلينا ويودعنا
بلد أتى،بلد ذهب
بلد سيأتي ثم يذهب،
(لذلك )
نمشي لنمشي، ثم نمشي
(ولذلك)
قلنا لكل جميلة هيا أحبينا، ولكن لا تحبينا لأنا ذاهبان
الرحيل يوحد شعرين زمانا (الشنفري ودرويش) ويوحد نقيضين هما الرهبة والرغبة. يختزل تناقض الأزمان والأفعال. وهو لما كان سرمدي التحقق أصبح لا يدل على التحول لأنه صار هو إياه، صار هوية الفاعل (فلا خير في رجل لم يجل)، وأصبح تحققه تحولا / رحيلا للبلد وليس الجسد. هذا الرحيل السلوك يبقى على ما هو عليه عند الشاعر العربي القديم. دون أن يتحول من شجرة نسبه إلى دلالات أخرى، بحكم ما يسميه جواد الطعمة بالتعالي الأدبي([ii]). لكنه يغدو عند الشاعر العربي الحديث رحيلا مكونا في إبداعه بحكم انفتاحه. رحيل متعدد الأبعاد. إن القصيدة تغدو مكانا (كم سماء سوف نسقف في القصيدة) والمكان (بلد أتى بلد ذهب) يتحول من معبر إلى عابر، لأن الشاعر يسكن رحيلا متعدد الأبعاد: فلا يغدو معه الرحيل صفة زائلة بل صفة مكونة. إنه يقيم رحيلا عبر الزمان برجوعه لأخذ مادته من التراث العربي والإسلام













